الشنقيطي

211

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ - إلى قوله - إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [ النساء : 171 ] الآية . والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة ، كقوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) [ مريم : 88 - 91 ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة « الكهف » . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إِذا قَضى أَمْراً أي أراد قضاءه ، بدليل قوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النحل : 40 ] ، وقوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) [ يس : 82 ] وحذف فعل الإرادة لدلالة المقام عليه كثير في القرآن وفي كلام العرب ، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [ المائدة : 6 ] الآية ، أي إذا أردتم القيام إليها ، وقوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) [ النحل : 98 ] أي إذا أردت قراءة القرآن ، كما تقدم مستوفى . وقوله تعالى في الآية التي نحن بصددها : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ زيدت فيه لفظة « من » قبل المفعول به لتأكيد العموم . وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة « من » لتوكيد العموم كانت نصا صريحا في العموم ، وتطرد زيادتها للتوكيد المذكور قبل النكرة في سياق النفي في ثلاثة مواضع : قبل الفاعل كقوله تعالى : ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ [ القصص : 46 ] ، وقبل المفعول كهذه الآية ، وكقوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ [ الأنبياء : 25 ] الآية : وقبل المبتدأ كقوله لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [ الأعراف : 59 ] . قوله تعالى : فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) [ 37 ] . أظهر الأقوال في « الأحزاب » المذكورة في هذه الآية - أنهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا في شأن عيسى . فقالت طائفة : هو ابن زنى . وقالت طائفة : هو ابن اللّه . وقالت طائفة : هو اللّه . وقالت طائفة : هو إله مع اللّه . ثم إن اللّه توعد الذين كفروا منهم بالويل لهم من شهود يوم القيامة ؛ وذلك يشمل من كفر بالتفريط في عيسى كالذي قال إنه ابن زنى . ومن كفر بالإفراط فيه كالذين قالوا إنه اللّه أو ابنه . وقوله « ويل » كلمة عذاب ؛ فهو مصدر لا فعل له من لفظه . وسوغ الابتداء به وهو نكرة كونه في معنى الدعاء . والظاهر أن المشهد في الآية مصدر ميمي ؛ أي فويل لهم من شهود ذلك اليوم أي حضوره لما سيلاقونه فيه من العذاب . خلافا لمن زعم أن المشهد في الآية اسم مكان ؛ أي فويل لهم من ذلك المكان الذي يشهدون فيه تلك الأهوال والعذاب . والأول هو الظاهر وهو الصواب إن شاء